زكي مبارك

112

عبقرية الشريف الرضي

عفاف الشريف أيها السادة رأيتم ما كان يحيط بشاعرنا من المحرجات ، ورأيتم انه حرم نفسه أعظم لذة يتغنى بها المشببون ، فلم يصف مراتع الانس ، وملاعب الطيش ، ولم يتحدث عن أسرار الهوى في الكرخ أو بغداد . وقد آن أن تعرفوا بوضوح أن شاعرنا لم يكن له بدّ من الحديث عن العفاف ، العفاف المطبوع أو العفاف المصنوع ، ومن المؤكد عندي ان الشريف كان من المتجملين ، ولم يكن من المنافقين ، فهو قد عشق بالفعل ، وكيف لا يعشق والعراق بفطرته مفطور على تقلب القلوب ألم تروا كيف يتلاعب جوه من صحو إلى غيم ، ومن برد إلى قيظ ألم تروا إلى أهله كيف يغضبون ويبتسمون في لحظة واحدة ألم تلاحظوا أن العراق تفرد بمزية غريبة هي الإسراف ، ففيه ظهر أعاظم النساك ، وفيه نبغ أكابر الفساق إن هذه الطبيعة المزدوجة هي الشاهد على تقلب القلوب ، والقلوب لا تتقلب إلا بقوة الاحساس ، والاحساس القوي هو منبع العشق ، والعشق على جموحه هو أساس النظام في حياة الرجال . وكان من حظ الشريف أن يكون صورة طريفة لذلك الازدواج فلم يكن من النساك ولا من الفساق ، وإنما كان قلبه مسرحا لتقلب الأجواء العراقية ، فكان فاسق النظر عفيف الخطرات ، خطرات القلب